هو المتنبِّي معجزةُ البيانِ
و أُحجيةُ القوافي و المعاني
بحورُ الشعر حاضرةٌ بفيه
حضورَ الضرسِ واللمى واللسانِ
و لو شاءَ لأخرجَ كلَّ نُطقٍ
له شعراً فصيحاً في ثوانيْ
كأنَّ المفرداتِ له جيوشٌ
يُحرِّكُها بتحريكِ البنانِ
إذا رُمتَ إحاطتَه بفهمٍ
فذهنُكُ من دقائقِه لفانيْ
فليس له على الأرضِ نظيرٌ
و لو تُحصيها من إنسٍ و جانِ
تقولُ الدنيا : لو كان وحيداً
على الأرضِ لَبالشعرِ كفاني
قريضٌ في معانيه اختلافٌ
كما الألوانُ في وردِ الجِنانِ
تناولْه تناوُلَكَ الدواءَ
فجرعتُه تُساقُ بتَرجمانِ
أياقوتٌ كلامُه أم عقيقٌ
أمَ انَّ اللفظَ حبٌّ من جُمانِ
و إن أبدت له الألفاظُ صدّاً
تناولَها على رأسِ السنانِ
ملأتَ الدهرَ قافيةً و شعراً
فخلَّدكَ على مرِّ الزمانِ
و لو كانت بلاغتُكَ سحاباً
لغطَّى صبيبُه كلَّ مكانِ
وصارُ أديمُ هذي الأرضِ بحراً
لِفقدانِ شواطئِه يُعاني
ولو لم يشكرِ المتنبِّي شخصٌ
لكان كفاه ديوانُ امتناني
فكلُّ المدحِ و التقريظِ منِّي
لمن ليس له في الشعرِ ثاني
كأنَّ خزائنَ التعبيرِ مُلكٌ
لمُمسِكِ رأسِ ناصيةِ البيانِ
كما شاءَ يُقلِّبُ في المعاني
بموهبةٍ محرَّرةِ العِنانِ
هو الضرغامُ مقتنصُ البيانِ
و لو كان المحنَّكَ في الطِّعانِ
و إن كان عليه النظمُ سهلاً
كرشفِ الشهدِ من ثغرِ الحِسانِ
و تفتنُكَ قصائدُه كخودٍ
هي الحسناءُ آسرةُ الجَنانِ
و تُسكِرُكَ معانيه كخمرٍ
له الكلماتُ و الجُملُ أواني
وكم ملكٍ رفعتَ إلى النجومِ
بشعرٍ عبقريَّتَكَ أراني
فخيَّبكَ كما لو كنتَ ترجو
مناصرةً من النذلِ الجبانِ
ذكرتُ قطيرةً و كتمتُ بحراً
فوصفُكَ يا أبا الشعرِ براني
دريد رزق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق