الاثنين، 18 يونيو 2018

مجلة سماء الأبداع للشعر والأدب الألكترونية كتب الشاعر مصطفى الحاج حسين قصة بعنوان فشة خلق

فشّة خُلق ...

                       قصّة : مصطفى الحاج حسين .

       مابوسعِ المعلّم " عدنان " أن يفعلَ ، إذا كان

بيته يبعد كثيراً عن المدرسة التي يعلّم ُفيها ؟! ..

وعليه أن يستقلَّ حافلتينِ للنقلِ الدّاخلي ! .. ثمَّ

يتابع طريقه سيراً على الأقدام مدَّة دقائق ! .

       وماذا يفعل إذا عَلِمنا بأنّ الحافلة الأولى

، التي سينحشر بداخلها ، لا تأتي قبل السّادسة

والنّصف ؟! ، ولا يصل إلى محطّةِ المنشيّة إلّا

بحدودِ السّابعة ، ثمّ عليهِ أن ينتظرَ الحافلة

الثّانية ! .. ولا وسيلةَ نقلٍ أخرى ، يمكنه أن

يستعملها ، سوى " تكسي الأجرة " ويعجز راتبه

بالتأكيد ، عن تغطية نفقاتها ! .

       وما بيده إن حاول باستماتةٍ ، ورغم كلّ

الواسطات التي لجأ إليها ، كي يعيّنهُ المُوجّه

في مدرسةٍ قريبةٍ من سكنهِ ، لكنّ المُوجّه يعتذرُ

بحجّةِ أنّ لا شاغرَ لديهِ ؟! .

       ثمّ نوّهَ بأنَّ نقل الأستاذ " عدنان " من منطقةِ "

عين العرب " إلى حلب ، يعد، بحدِّ ذاته شيئاً عظيماً

وغير قانوني ، لأنّ دفعة زملائه في التّعيينِ ، لم

يصدر قرار نقلهم رغم أربع سنوات على غربتهم .

       وما حيلته إن كان قد طلب من مديره ، أن

يعفيه من إعطاء الحصّة الأولى ، كي لا يتأخّر على

طلابه ؟! .. لكنَّ السّيد المدير اعتذر ، متذرعاً

بالبرنامج المدرسي ، الذي لا يمكن تغييره .

       فكرة أن ينقل مكان سكنه ، إلى منطقة

أقرب ، مرفوضة بالتأكيد ، ذلك لأنّه يقيم وزوجته

وابنتيه الصّغيرتينِ ، في غرفة خانقة وضيّقة عند

أهله ، ولا مال لديه للإيجار أو غيره ، فقد تزوّج

بالتقسيط ، ولم يزل يدفع من مرتبه ومرتب زوجته

الأقساط المترتّبة على عنقيهما .

       السّيد المدير غارق إلى شحمة أذنيه

بالبيروقراطية والاستبدادية ، وهو في الحقيقة لا

يصلح إلّا أن يكون محقّقاً ، بارعاً في الطّعن

والانتقام ، ممّن يتجاسرون عليه ، وممّن ينصاعون

إليه أيضاً ، فما من معلٌمٍ خدم في مدرسته ، إلّا

وكتب بحقّه أكداساً من التّقارير ، واقترح بشأنه

آلاف العقوبات والانذارات ، مستعيناً بالساعي " عبد

الفتّاح " ، الذي أطلق العنان لأذنيه وعينيه

ومنخاره ، لرصد ما يحدث داخل أسوار المدرسة

وخارجها .

       فما إن يصل المعلّم " عدنان " إلى المدرسة ،

ويدخل الصّف ، حتّى يقتحم عليه الساعي الباب

حاملاً استجواباً خطّياً من السّيد المدير :

- (  بيّن سببَ تأخرك المتكرّر يا أستاذ عدنان ؟! . ) .

       كان يرتبك ويحمرّ وجهه خجلاً أمام طلّابه ،

يجلس خلف طاولته ، ليردّ على الاستجواب ويقدّم

اعتذاراته الشّديدة التّهذيب ، وكان ينسب تأخّره

بالطبع إلى سوء تنظيم المواصلات ، لكنّ المدير لم

يكن يقبل هذه الاعتذارات ، فيبادر إلى كتابة تقرير

مفصّل ، بحقِّ المعلّم ويرسله برفقة الاستجواب ،

إلى المديرية ، مع اقتراحات عديدة ، منها إعادة

الأستاذ " عدنان " إلى الخدمة في الرّيف ، إلى

جانب الحسومات من راتبه .

       وكان المدير الذي يتظاهر بعشقه للنظام

، يسجّل ملاحظات التّأخير ، في دفتر الدّوام

، وكثرت الملاحظات من الموجّه بحقّه .

       ضاق بمديره وتقاريره ذرعاً ، وفكّر بتقديم

استقالته ، لكنّ دموع زوجته ، ومنظر ابنتيه

الصّغيرتينِ منعاه من اتّخاذ القرار ، فماذا يمكن له

أن يعمل إن استقال ؟! .

       واليوم وصل متأخراً كعادته ، يبدو منزعجاً

بسبب اقتطاع أكثر من ربع مرتبه الذي قبضه

أمس ، وما كاد يدلف إلى صفّه ، حتّى اقتحمه

الساعي " عبد الفتاح " ، حاملاً الاستجواب الأزلي :

- (  بيّن سبب تأخّرك المتكرّر يا أستاذ عدنان ؟! ...) .

    تناولَ الورقة بعصبيّةٍ واضحةٍ ، ولم تُخفَ هذهِ

الحركة على " عبد الفتّاح " بالطبع ، فقد تمكّنَ من

رصدها وحفظها ، جلس المعلّم خلف طاولته ،

وشرع في الإجابة ، بعد أن تجرّأ وأشعلَ سيكارة ،

ممّا فجّر الدّهشة والاستغراب على وجه الساعي

وعلى عينيهِ الثّعلبيّتينِ ، ولم يعرف ما يفعل .. هل

يهرع إلى السّيد المدير ، ويطلعه على ما يحدث ؟!..

أم ينتظر ريثما ينتهي المعلّم من ردّه ، لكنّه في

النّهاية فطنَ إلى ضرورةِ البقاء ، كي لا تفوتهُ أيَّة

حركة من تعابيرِ وجهِ المعلّم ، الذي شرع في الرّد :

- السّيد مدير المدرسة ، المحترم :

       نعلمكم عن سبب تأخّرنا لهذا اليوم ...

أيقظتني زوجتي كالعادةِ ، كان الفطور جاهزاً

إلى جواري ، ازدردتُ لقمتينِ على عجلٍ ، ثمّ

أشعلتُ سيكارة ، لأنفثَ دخّنها على رشفاتِ

الشّاي السّاخنة ، كانت زوجتي تهمُّ بارتداءِ ملابسها ،

لتلتحقَ بمدرستها هي الأخرى ، وقعت عيناي عليها ،

فأثارتني ، مددّتُ يدي وشددّتُها ، طوّقتها بذراعيّ ،

حاولت أن تتملّصَ منّي ، جذبتها بقوّةٍ ، قالت :

- سنتأخّر  .

قلتُ :

- طُز .

- سيقطعونَ عنّا الرّاتب .

هتفتُ :

- طُز .

  صاحت :

- ومديركَ .. ومديرتي !!! .

أجبتُ :

- طُز .

- سترتفع بنا التّقارير .

- طُز .

       احتضنتها وصراخها ينبعث :

- مديركَ يا عدنان .. ومديرتي .. لن يرحمانا اليوم .

وكنتُ أهمسُ كالمحمومِ :

- طُز منهم .. واللعنة عليهم .. وعلى مدارسهم ،

وتقاريرهم ، وأذانهم .. فليطردونا ، وليقطعوا عنّا

الرّاتب ، بل ليقطعوا أعناقنا.. لكنّي لن أترككِ تفلتينَ

منّي .

       وهكذا ياسعادة المدير المبجٌل ، أمضينا

ربع ساعة من أروع لحظات العمر ، استرجعنا

خلالها تلكَ الأيّام الجّميلة ، فأنا يا جناب المدير ،

كثيراً ما كنتُ أغفو ، قبل أن تتفرّغ إليّ زوجتي

بسببِ طفلتينا ، أغفو وأنا على جمرِ الانتظار ، لأنّكَ

يا جناب المدير ، سرعانَ ما تبرز أمامي لتذكّرني

بضرورةِ النّوم باكراً ، والاستيقاظ باكراً ، لألهث

خلف الحافلات .

       أعترفُ بأنَّ سبب تأخّري اليوم ، هو الاستهتار

منّي واستسلامي لشهوتي ، ويمكنكَ يا جناب

المدير ، أن تفعل ما تراه مناسباً ، وليس بإمكاني

سوى أن أردّد لجنابكم :

- طُز .. والسٌلام .

       وقرأ المعلّم " عدنان " الكلمة الأخيرة بتلذّذ

عالي النّبرة. ففتحَ الآذن " عبد الفتّاح" باب الصّفّ

بقوّةٍ ، وخرجَ مذعوراً ، مسرعاً ، راكضاً ، لاهثاً ، وكان

الممرّ الضّيق الطّويل ، وبوابات الصّفوف ، والدّرج

المؤدي إلى الإدارة ، وسائر جدران المدرسة ،

والمقاعد ، وقطع الطّباشير ، وكلّ مافي المدرسة من

أثاثٍ ، تهتفُ خلفَ الساعي ، وبصوتٍ جماعي ،

قويّ ، يشقُّ عنان الصّمت ، تلك الكلمة التي

ارتفعت ، حتّى ارتطمت بعيون السّيد المدير، وهو

يقرأها فاغراً فمه على مصراعيه :

- طُز .. طُز .. طُز .

                           مصطفى الحاج حسين .
                                    حلب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة سماء الإبداع للشعر والأدب الإلكترونية كتب الشاعر سليمان احمد العوجي قصيدة بعنوان على خط الزوال

على خطِ الزوال ---------------------------------- خائبون كجندٍ تحاصرهم خيانة كصبرٍ يحفرُ أنفاقَ الفرجِ بإبرةِ الوهم. منكوبون كمدنٍ سب...