السبت، 25 أغسطس 2018

مجلة سماء الأبداع للشعر والأدب الألكترونية كتبت الشاعرة والكاتبة أمل الياسري قصة بعنوان محكمة الضمير

محكمة الضمير
قصة قصيرة
جلسَتْ على متكىءٍ يمينَ المحكمةِ، وبدأَ ثلاثةٌ من الجنِ تقليبَ الصفحاتِ في جوالهِ، ضحكوا كلُّهم دفعةً واحدةً، سألَهم أحدُ الملائكةِ: لمَ الضحكُ؟ فقالوا: دخل هذا الرجلُ مدنَ الخطايا، وألبستْهُ من جميعِ مدلهماتِ ثيابِها، ودونَّها بيديهِ ورجليهِ ولسانهِ وعينيهِ وآذنيهِ، طارَ أحدُ الجنِ وقالَ: أيتُّها الشياطينُ ماذا أعددْتِ لهُ؟ فأجابوهُ: هيأنا مقامعَ من حديدٍ مذابِ، ورؤوسَ من أفاعي الشياطينِ، وقبراً كأنَّهُ بطونُ الحياتِ، وأصفاداً من نحاسٍ منصهرٍ، وأغلالاً من سرابيلِ القطرانِ، أشارَ رضوانُ خازنُ الجنةِ ومن بعيدٍ: ما لهذهِ المسكينةِ تئنُ ملامحَها ظلماً، وجوراً، وزوراً، وبهتاناً، وعنفاً، وعدواناً، وما ينبغي أنْ يقالَ أنَّ مستنقعاتِ الزمنِ الفاسدِ، قد حاولَتِ النيلَ منها، لأنَّ الحجبَ السبعةَ التي تحيطُها، لم تكنْ صانعةً للسطورِ فقط، بل كانَتْ تحميها بأنواعٍ من العفوِ والعفافِ والعافيةِ والمعافاةِ، تحركَ مصباحُ الوجعِ لديها، فأطلقَتْ صيحةً بآهٍ واحدةٍ، ومعَ ركامِ السنواتِ التي عاشتْها بدخانِ لهيبِ الشمعةِ، حينَها قامَ الجنُ الثلاثةُ بملئ عالمِ الأرضِ بأوراقٍ لم يحالفْها الحظُّ في الكشفِ، ولم يتذمروا على الإطلاقِ من كثرتِها، فجهازُ الجوالِ الخاصِ بهِ كانَ مليئاً بقصصٍ خاويةٍ على عروشِها، صكَّتْ تابوتَهُ المهزوزَ، لم يكنْ جنوناً قد أصابَها رغمَ أنَّهُ إتهمَها بهِ، ولا مساً طالَها لأنَّها محاطةٌ بسبعةٍ من حُجبٍ لم يفقهْ أسوارَها وحيطانَها وأقفالَها، لقد نزلَ الإصرُ الثقيلُ عن كاهلِها، عندما إقتربَتْ محاكمتُهُ فإصطفَ ثلاثةٌ من الملائكةِ القضاةِ، ومنكرُ ونكيرُ حاضرينِ في الجلسةِ، وكتابُهُ لم يغادرْ كبيرةً ولا صغيرةً، وبما أنَّ الإنسانَ أُلزِمَ بطائرهِ في عنقِهِ فلا بد من أنْ يفتحَهُ بنفسهِ فقالَ: أينَ جوالي؟ آهٍ لقد نسيتُه فوقَ المغتسلِ، بُهتَ وتحيرَ من الموقفِ الذي لم يحسبْ له حساباً. أزمنةُ البؤسِ التي عاشَتْها المرأةُ كانَتْ حاضرةً فوقَ المتكئ، والتي لم تكنْ تعني له سوى هاتينِ الكلمتينِ (محبرةٌ ومحفظةٌ)، ومعَ عسرةٍ وضيقٍ، وترقبٍ وتربصٍ بما ستؤولُ اليه الأمورُ، مع أنَّ الحميةَ والأنفةَ والعزةَ بالإثمِ قد أخذتْهُ، برزَتْ إمرأةٌ ردَّ ملائكةٌ مقربونَ روحَها الى جسدِها، وإلتحفَتْ بلحافِ الرحمةِ والإحسانِ، قلبَتْ مهامَها في الدنيا الدنيةِ، وتابوتُ الذكرياتِ يطوفُ حولَها، وهيَ تحاولُ حمايةَ عصافيرٍ ثلاثةٍ تطيرُ فوقَها، إنَّهم أجنةٌ لم تحظَ بولادتِهم أحياءَ. المرأةُ حملَتْ في محطاتِ رحلةِ الأشواقِ، مشاعرَ تلامسُ حنايا القلوبِ، ورغمَ أنَّها ليسَتْ بمعصومةٍ، لكنَّ بارئها عصمَها من القسوةِ والظلمِ، وأودعَ فيها سراً من أسرارِ الوسطيةِ في العقلانيةِ والعاطفيةِ، ولأنَّ ملفَها منذُ أربعينَ عاماً منقولٌ من الأرضِ الى السماءِ، فلم تقضِ وقتاً طويلاً في الشكوى والتشكي، بل إنَّ الحمدَ والشكرَ اللذينِ أغرقَا لسانَها، جعلَها لا تشعرُ بالخسارةِ أبداً، قلّبوا دفاترَ الشكوى، وملفاتِ الوجعِ، وأوراقِ الألمِ، وعباراتِ الطعنِ والشتمِ.
بعد التقصي والبحثِ قررَتِ المحكمةُ ما يلي:1ـ تختارُ المرأةُ نوعَ العقوبةِ التي ترتأيها في حقِّ ظالمِها. 2ـ تختارُ أياً من درجاتِ الجنةِ تسكنُ فيها، لأنَّ لديها ثلاثةُ أجنةٍ تشفعُ لها عندَ أبوابِ الجنةِ، وقرآنٌ على هيئةِ ملاكٍ لم يغادرْها، وملفٌ يخصُّ الأيتامَ والتي وعدناها بعدمِ البوحِ بهِ، لم تستطعْ المرأةُ البكاءَ رغمَ أنَّها كلَّ شيءٍ بداخلِها معمرٌ بالخرابِ، والإنكسارِ، لكنَّها حاولَتْ جاهدةُ الخروجَ من جلدِها وكفنِها، لقد عاشَتْ غربيةً بينَهم، الضربات لم تمتْها بل جعلتْها أقوى، قاومَتْ وصبرَتْ وتحملَتْ وإستمرَتْ بالتوكلِ! ما زالَ الجنُ يقلبونَ جوالَهُ ويسخرونَ من زخرفِ الدنيا وزيفِها، وهو في وسطِ القفصِ يتصدعُ ما بداخلهِ ويضربُ كفاً بكفٍ، لقد دهسَهُ الحسابُ ولم يعدِ العدةَ للمواجهةِ، رغمَ أنَّ البارئ وقفَ لهُ مراتٍ، وأنقذَهُ من المهالكِ والمصائبِ، خجلَ مالكُ خازنُ النارِ وإرتعدَ من الخوفِ، عندما قرأَ الآيةَ الكريمةَ: " فجاءَكم النذيرُ فذوقوا فما للظالمينَ من نصيرٍ"، طلبَ رضوانُ خازنُ الجنةِ أنْ تختارَ المرأةُ عقوبةَ ظالمِها، فتشظى قلبُها الرحيمِ، وعجزَتْ عن الكلامِ لكنَّها بعدَ السلامِ قالَتْ: لم اعتمدْ في حياتي معهُ على عبارةِ (قالوا لي عنهُ كذا وكذا)، بل أنَّي لمسْتُ منهُ الحقائقَ وأنتزْعتُها، وقد ساندني اللهُ في أنْ أكشفَ بعضَها، لأنَّهُ صديقي الوحيدُ، لقد صافحَتْهُ روحي وكلَّ ما أملكُ، وعشْتُ له سقفاً ومهاداً وسنداً بلا جزاءٍ، ولم أكُ بدعاءِ ربي شقيةً أو بغيةً يوماً ما، وقد أخلصْتُ لهُ في كلِّ شيءٍ، لقد كانَتْ صعبةَ الإنقيادِ لهواها، تفجرَّتْ معهُ أسرةٌ أذهلَتِ الملأَ وكبراؤهُ، ودُهِشَتْ لها الثقالُ والخِفافُ من العقولِ، محاولينَ الإساءةَ لها، لكنَّهم باءوا بغضبٍ من الربِ، حاولَ الملائكةُ القضاةُ إستنطاقَها بحُكمٍ لهُ، لكنَّها تستدركُهم في كلِّ مرةٍ محاولةً تأجيلَ إصدارِ الحكمِ، فوجهَتْ كلامَها لهُ: أعطني جوالكَ، داستَهُ تحتَ قدمَها بدونِ أن تولعَ بفتحهِ كما في السابقِ، لأنَّهُ لا يعني لها شيئاً، ولكنَّهْ كانَ يعني لهُ الكثيرَ الكثيرَ ويستحي مما فيهِ! ونسيَ أنْ يستحيَ من اللهِ! طلبَتِ المرأةُ من رضوانَ كتابَ زوجِها، فنزعَهُ من عنقِهِ إحتضنتُه فأبتلَ كفنَها وتصدعَتْ روحَها التي بينَ جنبيِها وقالَتْ: لقد كانَ قدرهُا أنْ تصلحَ كلَّ خدشٍ في حياتهِ، ولقد تآكلَتْ نفسُها بنفسِها، وبعدَ أنْ حانَتْ ساعةُ الموتِ، سلَّمَتْ كتابَها وكتابَهُ لهيئةِ المحكمةِ، وقالَتْ سأصدرُ حكمي الآنَ، والباقي يتكفلُ بهِ الربُّ الرحيمِ: إقطعوا يدَهُ ولسانَهُ، فقدْ سرقَ حياتي وسمعتي بأكملِها، تفوهَتْ بكلماتِها الأخيرةِ، وفارقَتِ الحياةَ على فراشِ أمِّها الراحلةِ.
أمل الياسري/ العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة سماء الإبداع للشعر والأدب الإلكترونية كتب الشاعر سليمان احمد العوجي قصيدة بعنوان على خط الزوال

على خطِ الزوال ---------------------------------- خائبون كجندٍ تحاصرهم خيانة كصبرٍ يحفرُ أنفاقَ الفرجِ بإبرةِ الوهم. منكوبون كمدنٍ سب...