السبت، 29 سبتمبر 2018

مجلة سماء الإبداع للشعر والأدب الإلكترونية كتب الكاتب عبدالله عبده قصة بعنوان الخولي

......................... ( الخولي)..............................
                                 قصة قصيرة: عبدالله عبده
    اكتست أرض قريتنا(نوب طريف) بالخضرة الداكنة لنبات القطن في نهاية الستينات من القرن الماضي، وبدأت أول مرحلة من مراحل مقاومة دودة القطن بجمع بيض الفراشات وإحراقه ، وكان عبء هذه المرحلة يقع على كاهل أبناء الفلاحين ، الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة والعاشرة ، وهي مرحلة شاقة ينحني فيها الأطفال طوال اليوم ، وعلى فترتين : صباحية ومسائية لتقليب شجيرات القطن بحثا عن بيض الفراشات ، باستثناء فترة تناول طعام الغذاء ، التي تمتد لساعتين : من الواحدة ظهرا حتى الثالثة، حيث يخرج فيها كل طفل طعامه البسيط من صرة قماش، تحتوي على خبز جاف وقطعة جبن وبعض اللفت المخلل ، فيتناول طعامه بنهم وسعادة  ثم يلهو مع رفاقه تحت أشجار الصفصاف أو التوت أو بالاستحمام في الترع.
     كان " محمد أبو السعود " الخولي المكلف بقيادة إحدى فرق الأطفال،وهو رجل شديد النحافة ، متوسط الطول ، يكتسي وجهه ببياض تشوبه حمرة ، ويرتدي جلبابا ريفيا ، ويغطي رأسه بطاقية ، وكان رقيق الحال ؛ لا يملك دينارا ولا درهما ،لذا فقد كان موسم مقاومة دودة القطن يمثل له أهمية قصوى ،بسبب ما يوفره له من دخل يعينه على شظف العيش
وكان - رحمه الله - شديد الطيبة ،إلا أنه سريع الغضب ، مما جعل الأطفال يطلقون عليه (أبو عفريته) ، كما كان هؤلاء الأوغاد الصغار يتزلفون إليه بالغناء منشدين : الدنيا حر عليك ياخولينا هات لك مروحة ، والدنيا حر عليك يا خوليهم هات لك مطرحة " وهي لوح خشبي مستدير تستخدمه الفلاحات في صناعة الخبز الريفي .
     وقف "محمد أبو السعود" خلف أطفاله في الفترة الثانية منتصب القامة ،يختال خلف أطفاله ، ويطوح بعصا الخيزران على رؤوسهم  ، حتى لا يقيم أحدهم ظهره ،وفي هذه الأثناء لمح مهندسا زراعيا يشق الحقول نحوه ، مرتديا بدلة كاملة ، وتغطي وجهه نظارة شمسية ،ويضع على رأسه قبعة ، فأصابه
الهلع ،وتملكه الخوف الشديد، وظل يصرخ في الأطفال ، الذين ارتعبوا من المهندس والخولي معا.
     وصل المهندس إليه ،وأمسك بدفتره ، وظل ينادي على أسماء الأطفال إلى أن قال : رمضان محمد عبد التواب ، فإذا بامرأة شابة تجيب : حاضر...فقال المهندس :
---- من هذه ؟!!       فأجاب الخولي :
--- أصل الحكايه يا بيه إن رمضان تعب بعد الظهر ، وحرارته
    ارتفعت ، فجاءت أمه مكانه . فقال المهندس  :
--- الله الله ...أصلها فوضى يا روح أمك !!
   وفي لمح البصر باغته بكف على وجهه ؛ جعلته يرتد إلى الخلف فجأة ، ويقع على ظهره ، فأمسك المهندس  بعصا الخيزران ، وظل يضربه بها ،وصاحبنا يجري أمامه صارخا :
--- الولد تعب يا بيه...وأنا أعمل إيه ؟!!
  توقف المهندس ، وأخرج قلما أحمر ،وكتب في الدفتر بخط رديء (خصم ثلاثة أيام...رئيس المفتشين ..)ثم وقع توقيعا غير مقروء ،ومضى.
    انتحى محمد أو السعود جانبا ، وظل يبكي بحرقة ، بعد أن أهين أمام أطفاله ، وقد كان بالنسبة لهم ملكا متوجا ؛ يأمرهم فيطيعون ، ويضربهم فلا يعترضون ،ويرفع عصاته فيرتعبون.
    في صبيحة اليوم التالي بدا أمام أطفاله كسير الروح مهدر الكرامة بعد أن نشر الأوغاد الصغار حكايته في القرية ، ووقف خلفهم شارد الذهن ،مطأطيء  الرأس ، مكسور العين ، شاردا ساهما  مشتتا محدقا في اللاشيء، وفجأة  وجد مهندسا زراعيا آخر يجتاز الحقول نحوه ، فارتعب ، وسقطت أحبال ركبتيه ، وظل يصرخ في الأطفال : المفتش  ..المفتش.
      ما أن وصل المهندس إليه حتى أمسك بالدفتر ، فإذا به يقرأ:"خصم ثلاثة أيام..رئيس المفتشين...وتوقيع غير مقروء "
فصرخ فيه :
من الذي كتب لك هذا الكلام؟ !! قال:
--- المهندس يا سعادة البيه ...البارح . قال:
---أي مهندس يا غبي؟! لا يوجد مفتش عليك غيري.
---يا سعادة البيه جاء المهندس ، وضربني يا بيه !
---من الذي ضحك عليك يا حمار ، وقام بتخريب الدفتر ؟!
    ثم باغته بكف على وجهه ، وركله بحذائه في مؤخرته ، وقام بخصم يوم من راتبه....، ومضى .
     جن جنون الخولي " محمد أبو السعود" مما حدث له ، وشاهد الأطفال الأوغاد يضحكون عليه ، فحاول أن يؤدبهم بعصاته ،غير أن يده تيبست وتخشبت ، وسقطت منها العصا
بعد أن أهينت كرامته مرتين..،ونزلت الدموع غزيرة من عينيه ، وظل يردد :
---"عليا الطلاق بالثلاثة  لو عرفت من الذي فعل هذا الفصل معي لقتلته "
    ولم يكن المهندس المزيف سوى الشاب : رأفت ياسين خليل "  ، الحاصل على الشهادة الابتدائية ،وكان لا يرتدي سوى الجلباب الريفي ، حيث اقترض هذه الملابس من المهندس : فاروق خليل، ورغم أن أهل قريتنا يعرفون بعضهم فردا فردا من الوجوه ،وحتي من الأصوات ، إلا أن شدة الخوف من السلطة ألجمت تفكير "الخولي"محمد أبو السعود " وأصابت عقله بالشلل ،فلم يتعرف عليه.
                                           ( عبدالله عبده ).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة سماء الإبداع للشعر والأدب الإلكترونية كتب الشاعر سليمان احمد العوجي قصيدة بعنوان على خط الزوال

على خطِ الزوال ---------------------------------- خائبون كجندٍ تحاصرهم خيانة كصبرٍ يحفرُ أنفاقَ الفرجِ بإبرةِ الوهم. منكوبون كمدنٍ سب...